سيد قطب

715

في ظلال القرآن

نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب ، بعد ما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة . . بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل ، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة ؛ وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي ! « و » وربما كان ذلك أيضا ، لقلة عدد المسلمين حينذاك ، وانحصارهم في مكة . حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة . أو بلغت أخبارها متناثرة ؛ حيث كانت القبائل تقف على الحياد ، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها ، حتى ترى ما ذا يكون مصير الموقف . . ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة ، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك ، وتنمحي الجماعة المسلمة . ولم يقم في الأرض للإسلام نظام ، ولا وجد له كيان واقعي . . وهو دين جاء ليكون منهج حياة ، وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة . « ز » في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة ، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها ، والأمر بالقتال ودفع الأذى . لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائما - وقتها - ومحققا . . هذا الأمر الأساسي هو « وجود الدعوة » . . وجودها في شخص الداعية - صلى اللّه عليه وسلم - وشخصه في حماية سيوف بني هاشم ، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع ! والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم ، إذا هي امتدت يدها إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فكان شخص الداعية من ثم محميا حماية كافية . . وكان الداعية يبلغ دعوته - إذن - في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي ، ولا يكتمها ، ولا يخفيها ، ولا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها ، في ندوات قريش في الكعبة ، ومن فوق جبل الصفا ؛ وفي اجتماعات عامة . . ولا يجرؤ أحد على سد فمه ؛ ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله ! ولا يجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلاما بعينه يقوله ؛ يعلن فيه بعض حقيقة دينه ؛ ويسكت عن بعضها . وحين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف . وحين طلبوا إليه أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم وكونهم في جهنم لم يسكت . وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا . أي أن يجاملهم فيجاملوه ؛ بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عبادته ، لم يدهن . . . وعلى الجملة كان للدعوة « وجودها » الكامل ، في شخص رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - محروسا بسيوف بني هاشم - وفي إبلاغه لدعوة ربه كاملة في كل مكان وفي كل صورة . . ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة ، والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئية التي هي في مجموعها ، مساندة للدعوة ومساعدة في مثل هذه البيئة . هذه الاعتبارات - كلها - فيما نحسب - كانت بعض ما اقتضت حكمة اللّه - معه - أن يأمر المسلمين بكف أيديهم . وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة . . لتتم تربيتهم وإعدادهم ، ولينتفع بكل إمكانيات الخطة في هذه البيئة ؛ وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة ، في الوقت المناسب . وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها ، فلا يكون لذواتهم فيها حظ . لتكون خالصة للّه . وفي سبيل اللّه . . والدعوة لها « وجودها » وهي قائمة ومؤداة ومحمية ومحروسة . . . وأيا ما كانت حكمة اللّه من وراء هذه الخطة ، فقد كان هناك المتحمسون يبدون لهفتهم على اللحظة التي يؤذن لهم فيها بالقتال : « فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً . وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ؟ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! » .